الثلاثاء، 31 مارس 2020

سكرات الموت


السكراتُ جمعُ سَكرةٍ وفعلهُ سَكَرَ، والسكرانُ: عكسُ وضدُّ الصَّاحي، وسكرةُ الموتِ: أي شدته، فالسكرُ حالةٌ تصيبُ العبدَ وتحولُ بينهُ وبينَ عقلهِ، وأكثرُ استعمالاتهِ في الشرابِ المسكرِ، فالمقصودُ من السكراتِ إذا أُطلقَ: ما يصيبُ المحتضرَ من شدائدِ الموتِ وأهوالهِ وصعوبةِ نزعِ الروحِ. 

سكرات الموت في الكتاب: ذكرَ اللهُ سبحانهُ وتعالى سكراتِ الموتِ في كتابهِ العزيزِ، في أكثرِ من موضعٍ، منها قولهُ تعالى: (وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ).

في الآيةِ بيانٌ من اللهِ عز وجل لعاقبةِ الظالمين وذكرَ اللهُ عز وجل ما أعدَّ لهم من عقوبةٍ وقتَ الاحتضارِ ويومَ القيامةِ، حيثُ بينت الآيةُ أنهم في شدائد وأهوالٍ كبيرةٍ، وأن الملائكةَ تبسط يديها للظالمينَ المحتضرينَ لضربهم وعذابهم، وذكرَ سبحانهُ وتعالى في سورةِ ق، قال تعالى: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ).

والمرادُ هنا من سكرةِ الموتِ في الآيةِ شدتهُ التي تغلبُ على عقلِ الانسانِ.وشدَّةُ الموت لا تدلُّ على نقص في مكانة المؤمنِ، إنما هي أحد أمرين إما تكفيرُ سيئاتهِ وإما زيادةٌ لهُ في حسناتهِ، والكافرُ زيادةٌ لهُ في عذابهِ. 





وكل من يحضرُ الموتَ إما أن يستريح، وإما يستريح منه من حوله لشدة سوئه وأذاه، ومن الممكن أن يُشدّد على الفريقين المؤمن والكافر لحظة الموتِ، فالمؤمن الذي عمل الصالحات في حياتِهِ واتقى الله عز وجلَّ يزداد بهذهِ السكرةِ ثواباً، أو يُكفّرُ عنهُ من ذنوبهِ، ويستريحُ بعد ذلك من آلام الدنيا. 

وأما الفاجر العاصي لله عز وجلَّ فإن الناس يستريحون منهُ بسبب المعاصي التي يرتكبُها في حياتهِ وتسبب الألم للآخرين، ودليلُ هذا القول حديثُ رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواهُ أبو قتادة رضي الله عنهُ: (أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُرَّ عليه بجنازةٍ فقال: مستريحٌ ومستراحٌ منه، فقالوا: يا رسولَ اللهِ مَن المستريحُ والمستراحُ منه؟ فقال: العبدُ المؤمنُ يستريحُ مِن نصَبِ الدُّنيا وأذاها إلى رحمةِ اللهِ والمستراحُ منه العبدُ الفاجرُ يستريحُ منه العبادُ والبلادُ والشَّجرُ والدَّوابُّ).

كما جاء ذكر سكرات الموت في القرآن الكريم، فإنّها كذلك ذُكِرَت في السُنّة النبويّة في عددٍ من المواضع، خصوصاً في المرحلة التي كان فيها رسول الله -عليه الصّلاة والسّلام- يحتضر؛ فقد ذكر عليه الصّلاة والسّلام لمن كان حوله ما يُعاني من سكرات الموت، ولأهميّة هذا الموضوع فقد أفرد الأمام البخاريّ في كتابه المعروف بصحيح البخاريّ باباً أسماه باب سكرات الموت، وأورد فيه عدداً من الأحاديث الواردة عن رسول الله عليه الصّلاة والسّلام ومن هذه الأحاديث ما روته أم المؤمنين عَائِشَةَ رضي اللَّه عنها قالت: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ  أَوْ عُلْبَةٌ فِيهَا مَاءٌ يَشُكُّ عُمَرُ فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي المَاءِ، فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ، وَيَقُولُ: (لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ) ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ فَجَعَلَ يَقُولُ: (فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى) حتى قُبضَ ومالت يداه.





وهذا يدلّ على أنّ المُصطفى عليه الصّلاة والسّلام مع قربه من الله وحبّ الله له، إلا أنّه وجد سكرات الموت في لحظات موته وعانى منها أشدّ المُعاناة، حتى أنّه كان من شدّة الألم وشدّة وقع سكرات الموت عليه يصحو ثم يُفيق، وقد كان ذلك ليرتفع مَقام ومنزلة المصطفى -عليه الصّلاة والسّلام- عند ربّه. 

فقد روي عن رسول الله عليه الصّلاة والسّلام أنه قال: (إنَّ العبدَ إذا سبقت له من اللهِ منزلةٌ لم يبلغْها بعمله ابتلاه اللهُ في جسدِه أو في مالِه أو في ولدِه ثم صبَّره على ذلك حتى يُبلِّغَه المنزلةَ التي سبقت له من اللهِ تعالى).

وممّا رُوِيَ عنه -عليه الصّلاة والسّلام- في باب سكرات الموت كذلك وألمه خلالها تحديداً ما رواه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حيث قال: (دخلتُ على رسولِ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - وهو يُوعَكُ، فقُلْت: يا رسولَ اللهِ، إنك لَتُوعَكُ وعْكًا شَديداً؟ قال: (أجل، إني أُوعَكُ كما يُوعَكُ رجُلانِ منكم) قُلْت: ذلك بأن لك أجرينِ ؟ قال: أجل، ذلك كذلِك، ما مِن مُسلِمٍ يُصيبُهُ أذًى، شَوْكَةٌ فما فَوقَها، إلا كفَّرَ اللهُ بها سيآتِهِ، كما تَحُطُّ الشَّجَرَةُ ورَقَها).