الأربعاء، 18 مارس 2020

كيفية الثبات في زمن الفتن


عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كيف بكم وبزمان يوشك أن يأتي يغربل الناس فيه غربلة، وتبقى حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وأماناتهم فاختلفوا وكانوا هكذا وشبك بين أصابعه»، قالوا كيف بنا يا رسول الله إذا كان ذلك؟ قال: «تأخذون بما تعرفون وتدعون ما تنكرون وتقبلون على خاصتكم وتذرون أمر عوامكم»


  • الحثالة: الرديء من كل شيء، والمراد أرذلهم. 
  • مرجت: اختلفت وفسدت. 
  • خاصتكم: أي عليك بأمر نفسك وأهلك. 


في هذا الحديث الشريف يخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كيفية النجاة من الفتن وحدد ذلك بعدة طرق وهي: 

أن يأخذ الإنسان بما يعرف: والمقصود: أن يأخذ الإنسان بما يعرف أنه الحق ولا يدور في فلك الشبهات، ولا يصغي للبدع وأهل الأهواء ومصدره في ذلك الكتاب والسنة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي» .  

يدع ما ينكر: ففي الحديث الصحيح قال النواس بن سمعان الكلابي: "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم؟ فقال: «البر حسن الخلق والإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس»، وعن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة وإن الكذب ريبة»





الإقبال على العلماء: فهم ورثة الأنبياء ومنارات الهدى فعن معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الخير عادة والشر لجاجة ومن يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين»

ترك أمر العوام: فقد قال علي رضي الله عنه: الناس ثلاث: فعالم رباني ومتعلم على سبيل النجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجئوا إلى ركن وثيق". 

التسلح بالإيمان والتقوى. وقال تعالى في كتابه العزيز: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الحديد:28]

التوكل على الله: فقد قال تعالى: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق من الآية:3].

اعتزال الفرق والأحزاب: عن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه قال: "«كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: «نعم»، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: «نعم، وفيه دخن»، قلت: وما دخنه؟ قال: «قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر».  قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: «نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها»، قلت: يا رسول الله صفهم لنا، قال: «هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا»، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم»، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: «فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك»" (صحيح البخاري:7084).

يقول صلى الله عليه وسلم: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن» (صحيح البخاري:7088) 


  • «شعف الجبال»: رؤوس الجبال. 
  • «مواقع القطر»: بطون الأودية. 

والحديث يدل على كثرة الفتن التي ستنزل بالعباد لدرجة أن المسلم سيكون خير ما يفعله فرارًا بدينه أن يرعى الغنم بين الجبال والأودية، نسأل الله السلامة. 





الحذر من الشائعات والروايات الواهية ونقل الأخبار المكذوبة. 

وهي ظاهرة في زمننا الحالي فيلاحظ انتشار القصص والروايات الواهية الضعيفة وقت الفتنة، فيكثر القُصّاص الذين يوردون الحكايات والقصص التي لا أصل لها، ووسائل التكنولوجيا الحديثة ساعدت في انتشار مثل تلك القصص والشائعات، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "لم يُقصّ في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبي بكر ولا عمر ولا عثمان إنما كان القصص زمن الفتنة"

النهي عن المنكر

فعن أبي بكر رضي الله تعالى عنه قال: "أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [ المائدة:105]، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله منه بعقاب» (سنن الترمذي:2168، صحيح). 

النهي عن قتال المسلم أو تعريضه للهلاك. قال تعالى: {وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة:195]. {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة من الآية:2]. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ضيَّق منزلًا، أو قطع طريقًا، أو آذى مؤمنًا، فلا جهادَ له» (صحيح الجامع:6378، صحيح)، قال ابن القيم: «إذا عرف هذا فالجهاد أربع مراتب: جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار، وجهاد المنافقين»، عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: "إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله"





المخرج من فتنة الأمراء والأئمة. فعن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنكم سترون بعدي أثرة وأمورًا تنكرونها» قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: «أدوا إليهم حقهم، وسلوا الله حقكم» (صحيح البخاري:7052). 

وعن أم سلمة هند بنت أبي أمية رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّهُ سيَكونُ علَيكُم أئمَّةٌ تعرفونَ وتُنكِرونَ، فمَن أنكرَ فقد برِئَ ومَن كرِهَ فقد سلِمَ ولَكِن مَن رضيَ وتابعَ»، فقيلَ: يا رسولَ اللَّهِ أفلا نقاتلُهُم؟ قالَ: «لا، ما صلَّوا» (صحيح الترمذي:2265صحيح)، قال الإمام النووي رضي الله تعالى عنه: "معنى ما سبق أنه لا يجوز الخروج على الخلفاء بمجرد الظلم أو الفسق ما لم يغيروا شيئًا من قواعد الإسلام".